في مديح الخسارة

شرعت في كتابة قصة قصيرة على عجالة منذ فترة لغرض المشاركة في مسابقة ما، وكنت أعلم بأمر المسابقة قبل زهاء شهرين، ولكن في آخر عشر أيام بدأت أتجاوب مع فكرة كتابة القصة وتحت وطأة رغبة ملحة لقول ما يمكنه القول. إنتهى موعد التسليم اليوم، ولم أكتب إلا بضعة صفحات يائسة وكلمات محمومة ومميتة في مواضع على صفحة بيضاء فارغة، كان من معايير المسابقة كتابة سبعة ألف كلمة كأقل حد، ذهبت أفكر فيها بشكل عبثي، بالصورة التي تسمح لي تقبل فداحة الخسارة، أنظر يا فتى..لست أنطوان تشخيوف زمانك لكي تكتب ألوف الكلمات في غضون أيام، الكلمات لا تأتي كالنهر ببساطة، تغرق في اليابسة وتسافر حيناً عبر المحيطات، وأحياناً كثيرا ما تتصطدم بصخرة، وعليك أن تتعلم كيف تشذب الصخرة لا أن تكسرها. ثم أنك يا مؤمن.. لست بحاجة لتكتب سبعة الف كلمة من أجل مسابقة تافهة قيمتها عشر الف جنيه، أهكذا تقيم نفسك! خضت هذا الحوار مع نفسي، ومع ناقد أدبي متخيل يعشعش في منطقة محظورة لا يخرج إلا وقت الأزمات والهزائم، طبعاً جربت أن أساوم مع هذا الناقد القاسي عن قيمة المكافأة ولم يرضخ عن مبادئه من أجل حفنة مال، في نفس المكان، كان ذاك الناقد أكثر إتساقاً من الكاتب، وكان متفوقاً عليه لأنه يفكر بطريقة الشيطان يكمن في التفاصيل، وعلى هذا الأساس، يمكن وصف الشيطان بالمال أو الكلمات التي لا تعرف طريقها. عدت مرة أخرى للقصة، ولعنات سلسبيل الشخصية التي عذبتها طيلة نموها، طبعاً بعد إرسال لعنات سريعة للكاتب والناقد الذي نال نصيبه بالقدر الكافي، لكنها أضحت عودة الابن الضال لأبيه الحنون، ذراعي وقلبي مفتوحة لك دوماً، كان الأب يجسد في تلك اللحظة بطانة اللغة، وأنا كنت الشقي بإستمرار داخل هذه المأساة التي لم تطوى قط، الكتابة.

من نبحث عنه يقطن بعيدًا

أحد الأصدقاء غمرني بلطفه قبل أيام وطلب مني أن أعود للكتابة، وكثيراً ما أشعر بالحرج والتوتر من قبل ثناء الأصدقاء وإزاء الأحكام التي من قبيل أحب نصوصك، وربما أيضاً ما يغذي هذا التوتر في نفسي بسبب الأمثولة الشعبية التي اِنهلت لدى ساحة المثقفين تزوجي رجلاً كاتباً، بالطبع لكي يصطادوا في الجميلات ههه_ ما علينا_ ، تصور مثلاً مقدار العبء النفسي أن تتنصل نهاراً كقط مذعور من واجباتك كزوج لكي تتم مقالتك البائسة عن كافكا أو بحوث عن العنف على ضوء أفكار حنا آرندت وفانون، ستكونين يا عزيزتي معذورة حقاً لو خرجتِ الشارع صارخة: أغيثوني أغيثوني. بوسعي أن أجازف بحقيقة فادحة، هو أنني لم أخطط يوماً للكتابة، وأشعر أحياناً كل الماء الذي كان في فمي وبصقته ما كان إلا وهماً ولمعان سراب كأقصى ما يمكن قوله. لست من أولئك الكتاب المتحمسين الذين يغردون في تويتر طيلة اليوم في وصف حبيباتهم ورص كلمات منمقة جميلة البنى، أفكر في هذا التعبير الان، هل هذه دوافع حقد صبيانية بسبب أنني لا أحظى بحبيبة؟ البتة، ولكن الفتاة التي سأحبها تعوزها ديوان كامل في وصف عينيها، وربما أيضاً من ضرب الغرام سأطلق على الديوان يا قمري _يالهذه المحنة_ وليست مجرد تغريدات سريعة يامن تحبون الغزل السهل المريح. الكتابة بالنسبة لي عالم كبير شديد التعقيد والجمال، تستقر طمأنينتي مع القراءة كما يألف المحبوب مع حديث محبوبته، وكالعارف الذي يجد دليل قلبه في صومعته النائية. في إحدى أجمل أدبيات الروس العظام، رواية المعطف والأنف لنيكولاي غوغل وهي في الأصل قصتان قصيرتان شديدة الاقتصاد، هذا العمل الفني التي وصفها ديستوفسكي “لقد خرجنا من معطف غوغول”، غوغول الذي كان أحد دعائم نهضة روسيا الأدبية في القرن التاسع العشر. قوة هذه الرواية تأتي أن غوغول يكتب عن شخصيتين لا تشبه الآخر، في قصة المعطف نبصر شخصية عادية، نراه يومياً في حياتنا، ولكننا بالأحرى نتغافل عنه بسبب أنه عادي فقط، يدعى أكاكي أكاكيفيتش، يتغلل غوغول في سبر أغوار هذه الشخصية كجراح ماهر الذي يعمل في دائرة حكومية، أصلع وقصير القامة، وعلى وجهه أثار حبات جدري، إنه سرد عن هؤلاء الذين تدهسهم قطار الحياة المعاصرة، عن أبطال دون أوسمة، وإعطاء الهامش جدارة هامشيته، وعن ذلك، وعنك، وعني. هذه هي ثيمة الأدب الروسي، ومن يقرأ لهم سيتجرع الجمال الذي يصاحبه الوجع. من سوء حظي، وتنبهت لهذا مؤخراً، تورطت في الكتابة، وهذا تجريد بارد من الدم والقلق، بغية النجاة من النهر، ظلال النجاة يكمن في سطوة هذا الغناء المتواصل، وربما كان من أجود وأدل من عبر عن مأساتنا خاتمة عبدالفتاح كيليطو لكتابه الأخير: من نبحث عنه بعيداً، يقطن قربنا.

لا غناء لنا يدوم.

حسناً، لا أعرف ماذا أقول في البدء، ولا أعرف الشيء الذي يدفعني لهذا السلوك الرهيب، يبدو أنه أحيانا كبشر فينا من الجنون بأقدار متفاوتة.

قد يبالغ المرء أحيانا في بعض مشاعره بفعل الظروف المحيطة بما يرى: بفعل نسيم الليل البارد، وبريق القمر، والقصائد بشكل خاص.

إذ لأكون صريحا معك على الأقل في البداية، ربما طيلة حياتي لم أكون بهذه الشجاعة مع نفسي، أزعم أنني خضت تحديات كثيرة وكانت خائبة ولم أكون بهذه بالشجاعة يوما، الشجاعة التي تفرض عليك، أن تصير سخيفا إزاء مشهداً ما، ربما هي سخافة “بشياكة”، كأن تكتب رسالة ورقية، لإحداهن مثلا، لسحابة ما، ربما أيضا ستستغربين من هذه الرسالة، ستقولين أنه كان بإمكانه أن يأتي إلي ويبدي إعجابه كأي رجل، أو كان لأبد له من إفتعال موقفا ما ليثير لفت انتباهي، إلخ من الخيالات الخارقة التي لا تخطر على بال أحد إستثناء بنات حواء. من متعي الخاصة في الحياة يا صديقة: هو نمط الرسائل الورقية بإعتبارها أكثر إتساعا وشجنا وأخف وطأة من رتابة الحياة، وربما لو عاد بي الزمن للوراء، لوددت أن أعيش في ذاك الزمان الذي كان يتراسل فيه البشر بالرسائل الورقية. قبل كتابة هذه الرسالة، فكرت قبل إتخاذ هذه الخطوة، قلت معززاً لنفسي ومشجعا أننا سنموت يوماً ما، وأننا سنحيا حياة واحدة، أو كما قال إبن زيدون وهو يعلن رفضه إعتيادية الحياة المملة حين قال: كل مبذول مملول، ولذة الحياة إختلاس. سأعترف لكِ، أنني دوماً ما أمر بالأماكن التي أرى حضوركِ، في ردهات الكافيرتيا، في المكتبة وسط رفوف الكتب القديمة وزحام الطلبة الذين لا ينفكون عن ورق الدراسة، في القاعة التي تقومين بها واجباتكِ، في كل مكان يتجلى فيها طيفكِ الهادئ. قبيل سنتين خلال إقامتي بمصر، كنت مشدوداً لفتاة ما تسكن في المنطقة التي كنت أقطن بها، وكان هناك نوعاً ما من التبادل الودي بيننا، لكن المفارقة أنني لم أبادر لها البتة، علما أنها كانت تنتظر مني إهتماماً بحكم صديقتها التي أعرفها بشكل شخصي ومقرب أخبرتني بهذا، أن أبقى أكثر مرونة وخفة، النساء يحببن هذا، ولكن للأسف اكتشفت هذا مؤخرا بسبب غبائي. بعد مرور الأيام والشهور والسنوات، تزوجت هذه الفتاة الحلوة ونسيت أمرها، وهنا بيت القصيد كما أحب أن أشير إليه، أن النسيان بلسم الجراح كما يقولون، وأننا نحن المخذولون في أمرنا كالمتنبي حين خذل في ثأره، أولئك الذين لديهم نصيب الخيبات اكبر من أحلامهم، ربما هؤلاء الفئة لديهم القابلية الاستمرارية للحياة بصورة اعمق من أولئك المثاليين الذين لم يعرفوا طعم المرارة والخسارة يوما، كما قال بورخيس: وأنك مع كل وداع تتعلم. قد تسألين نفسكِ، وتقولين من هذا المعتوه ؟ هل فر من مستشفى المجانين يوما؟ هل يعرفني شخصياً؟ ولم هو مهتم بي بهذا الحد؟ هل أعرفه أنا؟ هل رأيته في مكان ما وشعرت أنه هو صاحب الرسالة؟ أي بمعنى هنالك استعداداً غريباً لدى الشاب أحيانا ليرتبط بفتاة متكاملة الأنوثة والحسن، في سبيل كونها خاوية القلب والعقل، وقد تسألين نفسكِ على سبيل الريبة لم أنا خصوصا ؟ لأن البحيرات كثيرة والنهر واحد، لأن الشعراء كثر ووحده ذاك الذي ينكأ جراحنا. سأزعم من باب التكهن المسموح لي، انكِ جميلة داخليا قبل ملامحك الظاهرة التي تشبه اغاني الليل، جميلة كالغيث أينما كان نبت، او ربما جمال كحنجرة فيروز حين تغني بحزن مكثف. في النهاية ستتصورين من رسالتي انني أحبك فعلا، لا.. ليس هذا تماما، بل ولا أريد أن تعرفي من هو صاحب الرسالة الوهمية هذه، نعم هنالك نوعا ما من الأصطدام تجاهكِ، لكنه سيغدو في نهاية المطاف هباء كالريح، على الأقل أحب أن أبقى مجهولا هكذا لأنني كتبت ما أشعر به، وهذا المهم. خارج عن سياق الرسالة، أود أن أحدثكِ قليلا عن مشهد سينمائي ساخر على واقعيته التي تسخر بنا، في إحدى أفلام المخرج العبقري ” وودي آلن ” ، يصور آلن في الفيلم مشروع البطل الإعتراضي والساخر، حين يفقد البطل رهاناته على المرأة والعمل والمال، فيركض مسرعا نحو المرأة التي راهنت هي عليه ليجدها تعد حقائبها للسفر .ثمة معادلة غير عادلة في هذه الحياة يا صديقة، وهو أن الأبطال مهزمون دوماً، ربما فقط ونحن مهزومين بإمكاننا أن نصغي ليلاً إلى أم كلثوم بإرتياح وهي تغني بكل سخرية أنيقة: سوف تلهو بنا الحياة، أو نجرب أن نرثي أنفسنا مرة ونحن ضاحكين لأحمد عدوية وهو يغني: زحمة يا دنيا زحمة. ونكتفي بمراقبة مشهدنا على الواقعة، الواقعة الساخرة، كرسالتي البائسة هذه.

وما أرانا نقول إلا مُعارًا!

كيف يصير أن تقول لأحد بطريقة ما تشعره بأن صوتك مبحوح حقاً؟ وأن تصف له نزيفك مع الكتابة بالصورة التي تلائم جريح يحتضر مع الكلمات، ثمة إحساس داخلي حاضر أشبه باللعنة: وما أرانا نقول إلا مُعارًا. بين الحين والآخر، علاقتي مع الكتابة هي علاقة مقايضة، وأخسر دوماً في المعركة، بمقابل ربحي على الكلمات بعد أن ضعيت كل الطرق والبوصلة. أصدقائي، يخبرونني أن أحرص على تطوير موهبتي بالكتابة، وأنا أعرف في قرارة نفسي أنني لست كذلك البتة، ولا أريد لهذه الموهبة التي تدفعني للجنون أن أبقى في سجنها، كتابة نصوص أو مراجعات أو حتى ترهات، تتحول مع الأيام إلى شبح تود منه أن يخطفك، وأن تتلاشى قبل أن تموت حياً، هذا إذا لم نمت بعد. في الأوقات التي أشعر على كتفي أغنية، وهي أوقات نادرة وتأتي كغيمة، أستسلم لمجموعة طقوس غريبة، أشرب أقداح من الشاي عند بائعات الشاي ليلاً، أمشي حتى تتورم أصابع قدمي، تمنحني الكتابة فرط في الحركة، كما هي اليوم مع ليال الوباء هذه التي شلت يدي وقلبي معاً. مساء اليوم أردت الكتابة عن إحدى أفلام المخرج إنغمار بيرغمان، تقلبت مرات عدة في السرير بنفس تغيير وضعيات النوم، ثقلت السكر في الشاي لعل وعسى توقد في ذهني نافذة، ربما هواء ناعم، ثم مشيت داخل البيت ذاهباً وإياباً وعرفت كم هي عدد بلاطات الأرض، تركت نفسي على سطح البيت تحت ليل المدينة لساعات دون طائل، فكرت ملياً بضحكة فتاة أحبها ولم يورثني إلا التراب. أتسائل عن كل هذه جدوى العذابات في كل من فكر أن يقايض الحرف، وأجد نفسي كل مرة بكل آسف، يممت وجهي في النهر الذي أتجنبه، وأجرؤ على من نبهنا تماماً: ومُعارًا من قولنا مكرورًا.

كان يؤمنا في صلاة العشاء، ثم يأوي كل منا الى فراشه ويأوي هو الى صلاته وقرانه ، وكنت لا تراه الا قارئا للقران او مصليا

الشيخ محمد أبو زهره واصفا العلامة محمد عبد الله دراز.

 

حديثي هذا الاسبوع عن علم مسلم فج سبيلا في العلم بنور القران وأبعاده الاخلاقية لم تطئها أفكارعالم قبله، هو الامام العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز .. وبما ان المقام هنا ليس مقام اسهاب وبسط فسأمر مرورا سريعا باهم محطات حياة ذلك العلم مستفيدا من بعضكتب السيره الداتية التي أرخت له وشيئا من شغفي الشديد بهذاالعالم المسلم .

في العادة ايما عالم يتعرض لمنتوجات الغرب المعرفية نرى انها تهزه وتقلب موازينة الفكرية راسا على عقب، فلا يعود هو نفسه بذاته المغمورة في رواسب الثقافة الاخرى ولدينا من النماذج الكثير، اما الدكتور دراز فقد كان مختلفا فنجد انه شرب الفلسفة الغربية من ثديها الاول، فهو خريج السوروبون وفي عهد من ؟! عهد المستشرقين الاوئل الاكثر صلابة وتطرفا تجاه الاسلام والدين أمثال ماسينيون وغيره مع ذلك لم تتلبسه قط، فلم يكن بوسعهم سوى الاعجاب الشديد بتلميذيهم الفتي والمقاوم والدي ابتلع نظريات الغرب ومن ثم هضمها معرفيا وبالتالي اعاد موضعتها في سياقها الحقيقي السياق الانسانوي المحدود والضعيف والغير قادر على التفسيرالمكتملللوجود واشباع الجوع والفضول المعرفي لدى الانسان.

ولد لاسرة متدينة ووالده كان عالما ومحققا وقد اشتغل اي والده على كتب المالكية تحقيقا وضبطا. تخرج الدكتور دراز من الجامع الازهر ومن ثم انتقل لدراسة الاديان في السوروبون في فرنسا، وهناك جمعته صداقة دافئه مع المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي قدم له الدكتور دراز كتاب ( الظاهره القرانية).

ومن هنا دعوني اعبر نحو المنتوج المعرفي لدراز الدي نستطيع ان نضعه في جذريين رئيسين وهما (مصدرية القران) من خلال كتابه النبأ العظيم و (اخلاق القران) من خلال كتابه (دستور الاخلاق في القران) وهما اهم كتابين له وتجلت فيهما براعته الحجاجية وقدرتةالعلمية والمعرفية.

ففي كتابه ( النبأ العظيم) يرد ويدحض ببراعه منقطعة النظير الحجج التي تقدح في مدرية القران والتي اطلقها المستشرقون ، ويثبت  بتأصيل علمي ومعرفي ان هذا القران مصدريته السماء وهو وحي خالص من لدن الله وحده سبحانه وتعالى.

اما كتابه الثاني ( دستور الاخلاق في القران )فاننا نجد انه انبرى فيهلتأصيل نظرية اخلاقية فلسفية خالصه من القران الكريم، واشتبك فيه مع كبار الفلاسفة الغربيين كانط وديكارت وهيجل وغيرهم، وكذلك صمم اطار اخلاقي نابع من وسطية القران بين تقشف البوذية واباحية الحياة الحديثة.

عاش حياة ملئوها النضال والتفاني، والجراة الغير محدوده فقد عرض منحته الدراسية للخطر عندما أيد جلاء فرنسا من دول المغرب العربي، وايضا عندما رفض مشيخة الازهر في حال لم يتم فك ارتباطها بالرئاسة والسلطة.

كانت له علاقه مميزه مع القران فقد تواترت الاثار انه كان يقرا يوميا ستة اجزاء لم يتركها حتى لحظة وفاته، وقد الف في القران العديد من الكتب اهمها الكتاب الدي قد تعرضت له في الاعلى. 

توفي الدكتور دراز وهو في مؤتمر اسلامي بلاهور بباكستان وقد كتب الله له حياة العلم والدعوة مند المهد الى لحظة موته ، رحمه الله وكتب اجره وقدس سره في الاعالي وجعل موروثه حجة له لا عليه.

 

كتبه الفقير الى عفو ربه : م/ محمد صلاح الدين،

بتاريخ 15 رمضان من عام 2020 عام الكورونا  

يوم بزوغ الفجر

ورأيت الشهداء واقفين، كل على نجمته، سعداء بما قدموا للموتى الأحياء من امل.

تصبح الكتابة مهمة خطيرة حين نشهد تداعي إنعكاسات عوالمنا، نراقب من بعيد قاربنا وهو يطفو في المياه بهدوء، لكنك تمضي في طريقك للمنفى وتتعلم الحديث، أن تصبح شاهداً على حقبة ما، وأن تجرؤ على إنتزاع السرد من باطن الصحراء، تكتب لأنها مهمتك هي الآن، وسيلتك الوحيدة المحتملة، أن تتقن في وصف ضحكة إمراة جميلة عابرة، أو منظر غروب جميل يختفي ببطء، كما تغيب كف ناعمة في ليلة شتوية، ويختفي معه وجوه الشهداء. بعد عدة أيام أعود إلى شقتي، قضيت أياماً طوال عنده، أطبخ مرتين وثلات ربما، أنكب على غسيل المواعين بصورة مرضية للتغلب على الملل، بعض الأحيان أقرأ حتى أنعس في الصفحة الخمسين، وأسمع موسيقى حين تهجرني الكلمات. في الحافلة كنت أتفقد أغنية لأم كلثوم بجوالي، وأسرح في وجوه البشر، غرقت طويلاً في عيون الركاب، أطفال مغطون بشال أمهاتهم، شباب أبصر التيه في ملامحهم كما لو أنه ليس غريباً علي هذا الشرود في الفراغ، ولكن لسبب ما أجهله كيف نشطت ذاكرتي في ذلك الوقت، أنتبهت لتاريخ اليوم، وهو السادس من أبريل، ذكرى الثورة السودانية، ومنذ تلك اللحظة هاجت حواسي وبلغت بها الحمى، حمى السرد. أعتاد أهل بيتي، يشملهم الأصدقاء أيضاً، بأنني شخص ذو حظ سيء باعث للثورات، وهادم البلاد، أينما وطئت قدمي جلبت معي المصائب. سفرناك مصر قومت ثورة وسفرناك السودان برضو قومت ثورة، واليوم يصادف انك مسافر إثيبوبيا تحصل عملية محاولة إغتيال لأبي أحمد؟! هكذا أسخر من أمي وأخواتي وأصدقائي طيلة الوقت، ولكن يا سادة، وأنتِ يا جميلتي بالذات، إذا كان هذا يزعجكم لسبب أنني حياتي لا تسير كما هي، أشكركم مع قبلاتي على حرصكم ومحبتكم النبيلة، ولكن، يسرني أيضاً، بل يجعلني أقفز فرحاً، بأن فوضتي الفيزيائية هذه التي لم أسعى لها يوماً، أسقطت طغاة، وبدوأ مرتبكين في قصورهم العتيقة بهتافات حرية سلام عدالة، وأرقت مضاجعهم، وكيف تحولت كلمة الشهيد عظمة إلى أيقونة وشديدة الأصالة: لقد تعبنا يا صديقي، ولكن لا يمكننا الاستلقاء أثناء المعركة. كل الطغاة دمى كما يقول الكبير الفيتوري. أخبرني مرة رجل يعرف أنني لست سودانياً، يرتدي عباءة الحياد وخبث الموضوعية: دخلك شنو بالثورة؟ من يتطوع ويخبر هذا المعتوه بأن هذا السؤال أوقح منها الإجابة الموضوعية الذين ينتظرونه منا، في مشهد العدالة كلنا أبناء عمومة، وجميعنا غرباء دون قضيتنا نحو تحرير الإنسان، ألم يقل النابغة قديماً: وكل غريب للغريب نسيب. ثمة نسب حميمي أبعد من الدم في الحروب الواضحة، حيث الأعداء هناك كما حيث هناك الرفاق، نتبادل مع رفاقنا لعن الحكومة، وحبيبات نقرأ على مسامعهم لوركا وأمل دنقل، لأنه يا حبيبتي كما يقول عدوان: وتذكر دوماً أني لم أقطع وعداً بالنصر، أنا لم أضمن إلا إستمرار الحرب.

وها أنتم، غادرتم يا رفاق بدموعكم وأحلامكم نحو السماء، لولا نزعة تضحياتكم لما أمتدت الأرض بالورود والقصائد وجمالية تحرير المدن. في ذكرى الثورة، لن أحتفل في الشارع ولن أكتب مرثيات مطولة عنكم، ولن نخبر الآخرين بأن ثورتنا كانت عظيمة، وبالطبع لن أهتف بهتافات مثل مدنياو، الآن أنتم في مقام جليل على إمتثال هذه البهرجة المبتذلة، بوسعي فقط أن أتذكر عيونكم ككل فجر جديد، وكحلم جميل أنقضى بعد غيابكم، وأن نذرف الدموع، وحيدين في حضرتكم حين تحاصرنا مأساة اللغة.

مع مرور الوقت والأشياء، ستحتفظ في قلبك مرور الأصدقاء الذين رحلوا سريعاً، تشكل ذاكرة لمحاربة طواحين ضباب الحياة وبناء سور كبير ضد طاعون النسيان السريع. في سيرته الذاتية يسرد المخرج العالمي إنغمار برغمان، صاحب كاميرا البحث عن الوجود وأسرار العالم وعن الإنسان، يقول أنه لا يجب الكتابة عن الأصدقاء إلا إذا كان المرء طاعنا في السن، وأصدقاؤه قد غادروا الحياة، وإلا فإنه سينتهي إلى توازن غير دقيق بين الطيش وكتم الأسرار. قبل أربع سنوات، لا زلت أتذكر حمولة الذعر في نفسي للآن، سافر شخصاً ما أحبه بالبحر، أنا الذي كنت أعتدت على التلويح دائماً، طوال حياتي تقريباً. السفر للمنفى الأنيق سيبقى دوماً حاضراً فينا حتى ولو لم نذهب إليه، كان هذا الصديق ممن سافر بهذه المخاطرة العدمية، كحال الهاربون من بطش أنظمة أوطانهم، من الحياة أحياناً. أمواج البحر، والهواء البارد، يصبح حديثاً ذو شجون لكل ممن جرب الوقوف على عتبات الموت، لحظة مفارقة لكل اللحظات. حين علمت بسفر صديقي، لم أنم جيداً لمدة أسبوع إلا بعد وصوله، وهو الميعاد الذي تصل فيه السفينة إلى منطقة الأمان تغربت مرتين، وأعطتني هذه الحياة العريضة جزءا ضئيل منها، وعدت قادراً على تجاوز رثاء الفيتوري لنفسه: مثلي أنا ليس يسكن قبرا. لم نعد نضطر للقبور، الحياة صارت قبرا كبيراً كما يقول أحد الأصدقاء. وصف محمود درويش المنفى ذات مرة في قصيدته رسالة من المنفى: لا ينبت الريش على طير ضائع منهد. بكل الأحوال سأدعو أن أصير طير منهد على الأقل، وأرتضي لنفسي حياة عادية وهادئة، ومشاهدة الأفلام في السينما كل ليلة، وربما صوت أم كلثوم في مدينة غريبة لا يعرفني فيها أحد إلا عجوز مسكين، وفتاة حلوة في الهواء الرطب لدى الليل الطويل. قليل من دفء حب الكتابة وعيون أصدقائنا وعنايتك، يارب.

في سنين المتوسطة كتبت عدة مرات كلام إنشائي في مادة التعبير عن الصلاة، وفي ذات الوقت كنت أطارد في أزقة الحارة من جماعة هيئة الأمر بالمعروف في آخر ضربات الجزاء حين يرفع العم باجودة أذان المغرب. أتسائل الآن لو أنني كنت طورت هذه النمطية من الكتابة، قطعا كنت سأكتب عن أفلام أحبها بصورة سلبية وضد رغبتي. الناس أسرى ذكرياتهم، ويلوموني في حب جدة ولا يعرفون أنني أذوب من أول نطق كلمة أحبك بالطريقة الحجازية، وزحام الخلق في مطعم أفغاني عتيق في البلدة بينما رائحة التميس تلوح مع شروق الشمس. جيلي أحبهم وأعرف آلامهم بشفافية، أعرف الحزن في أعينهم وهم يدندنون لمحمد عبده “وتبغى حبنا ما يبان” أو مع أم كلثوم “صحيح أهل الحب مساكين” أعرف تلك النظرة حين تمر فتاة جميلة ما، وعن شاعرهم المفضل وذوقهم بالسينما، إضافة لأنني منهم وأشبههم، يمكنني كشف طريقة سخريتهم ولا مبالاتهم بنظرة حنية لا شفقة، وأن هذه الشجاعة الشامخة لا تنطوي إلا على إمتداد ﻹنكسار قادم. حنين الماضي، للطفولة والبراءة قبل إجتياح زمن الأسئلة الصعبة والخذلان لن ينقذنا فعليا، وكل مقاومة ستفضي بنا حتماً بين شقي الرحى.

لا شيء موحش أكثر من شعور المرء أنه لم يعد جديراً بالكتابة، وبنفس الحقيقة المروعة هذه ثمة ذعر عميق ينتابني أحياناً حين أواجه نفسي يقول لي هذا ليس أنت. نصوصي القديمة وشذراتي القصيرة أسمعها تهمس لي لن تكتب أبعد من هذا مهما حاولت وغامرت بكل إيمانك، تقطع الليل كله كالمشردين، وربما ستقبل فتاة تحت المطر ولن تكتب حرف واحد. البياض هو العدم، الخوف والهزيمة، أحدهم يذكرني برسالة مطولة كتبتها قبل سنوات، تمنيت أن أعود للزمن ذاك وكان علي ألا أستنزف كثيراً، أردد مع نفسي. كنت قد عرفت مبكراً أنني لست صبيا وفيا للشعر كما ينبغي له، ولكن أعترف أنني شغوف بالبناء والحركة في مساحات واسعة ضمن إيقاعات متحررة، يشبه الأمر إصلاح قارب هش معدوم الأمل فيه، ومستعد طيلة الوقت أن أراهن على هذا الإيمان إلى أقصى الحدود، برغم الأنين الذي لن يصل أبداً والخسارة المجانية.

توقفت منذ فترة التعامل مع العالم بندية، الندية ليست طبيعتي، لكنني أمتلك بما فيه من الشجاعة لأقول أنني لست محباً للرهانات. لم أعد بحاجة في خلق معارك مع أعداء طيبين ولا مع شاعر عديم الذوق والبنى، ولا حتى نصائح فيلسوف في طريقك للسعادة. تدريجياً، أصبت بالتخمة أمام سياج النجاح السريع والرغبة العارمة في الظهور على كل مأدبة وقصصها البراقة التي تحاصرك من كل مكان وتقول لك: يمكنك فعل ذلك أيضاً. يجب أيضاً أن أعترف بهذا، كرهت صديقي عندما نكرني لأول مرة، واقفاً على رأسه راجياً أن يسير معاملتي بخصوص تجديد إقامتي، هذا الضابط الذي أراه أمامي الآن كنا في حياة سابقة بمرحلة الثانوي فعلنا كل المصائب معاً، غششته مرة في إمتحان وتحملت أن أكلها في حناني كما يقولوا السودانيين.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ