
في سنين المتوسطة كتبت عدة مرات كلام إنشائي في مادة التعبير عن الصلاة، وفي ذات الوقت كنت أطارد في أزقة الحارة من جماعة هيئة الأمر بالمعروف في آخر ضربات الجزاء حين يرفع العم باجودة أذان المغرب. أتسائل الآن لو أنني كنت طورت هذه النمطية من الكتابة، قطعا كنت سأكتب عن أفلام أحبها بصورة سلبية وضد رغبتي. الناس أسرى ذكرياتهم، ويلوموني في حب جدة ولا يعرفون أنني أذوب من أول نطق كلمة أحبك بالطريقة الحجازية، وزحام الخلق في مطعم أفغاني عتيق في البلدة بينما رائحة التميس تلوح مع شروق الشمس. جيلي أحبهم وأعرف آلامهم بشفافية، أعرف الحزن في أعينهم وهم يدندنون لمحمد عبده “وتبغى حبنا ما يبان” أو مع أم كلثوم “صحيح أهل الحب مساكين” أعرف تلك النظرة حين تمر فتاة جميلة ما، وعن شاعرهم المفضل وذوقهم بالسينما، إضافة لأنني منهم وأشبههم، يمكنني كشف طريقة سخريتهم ولا مبالاتهم بنظرة حنية لا شفقة، وأن هذه الشجاعة الشامخة لا تنطوي إلا على إمتداد ﻹنكسار قادم. حنين الماضي، للطفولة والبراءة قبل إجتياح زمن الأسئلة الصعبة والخذلان لن ينقذنا فعليا، وكل مقاومة ستفضي بنا حتماً بين شقي الرحى.