مع مرور الوقت والأشياء، ستحتفظ في قلبك مرور الأصدقاء الذين رحلوا سريعاً، تشكل ذاكرة لمحاربة طواحين ضباب الحياة وبناء سور كبير ضد طاعون النسيان السريع. في سيرته الذاتية يسرد المخرج العالمي إنغمار برغمان، صاحب كاميرا البحث عن الوجود وأسرار العالم وعن الإنسان، يقول أنه لا يجب الكتابة عن الأصدقاء إلا إذا كان المرء طاعنا في السن، وأصدقاؤه قد غادروا الحياة، وإلا فإنه سينتهي إلى توازن غير دقيق بين الطيش وكتم الأسرار. قبل أربع سنوات، لا زلت أتذكر حمولة الذعر في نفسي للآن، سافر شخصاً ما أحبه بالبحر، أنا الذي كنت أعتدت على التلويح دائماً، طوال حياتي تقريباً. السفر للمنفى الأنيق سيبقى دوماً حاضراً فينا حتى ولو لم نذهب إليه، كان هذا الصديق ممن سافر بهذه المخاطرة العدمية، كحال الهاربون من بطش أنظمة أوطانهم، من الحياة أحياناً. أمواج البحر، والهواء البارد، يصبح حديثاً ذو شجون لكل ممن جرب الوقوف على عتبات الموت، لحظة مفارقة لكل اللحظات. حين علمت بسفر صديقي، لم أنم جيداً لمدة أسبوع إلا بعد وصوله، وهو الميعاد الذي تصل فيه السفينة إلى منطقة الأمان تغربت مرتين، وأعطتني هذه الحياة العريضة جزءا ضئيل منها، وعدت قادراً على تجاوز رثاء الفيتوري لنفسه: مثلي أنا ليس يسكن قبرا. لم نعد نضطر للقبور، الحياة صارت قبرا كبيراً كما يقول أحد الأصدقاء. وصف محمود درويش المنفى ذات مرة في قصيدته رسالة من المنفى: لا ينبت الريش على طير ضائع منهد. بكل الأحوال سأدعو أن أصير طير منهد على الأقل، وأرتضي لنفسي حياة عادية وهادئة، ومشاهدة الأفلام في السينما كل ليلة، وربما صوت أم كلثوم في مدينة غريبة لا يعرفني فيها أحد إلا عجوز مسكين، وفتاة حلوة في الهواء الرطب لدى الليل الطويل. قليل من دفء حب الكتابة وعيون أصدقائنا وعنايتك، يارب.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ